كثير من أصدقائي وعقب مطالعاتهم لمسودة دستور الإخوان زغرد لسانهم بعبارة "ليس فى الإمكان أبدع مما كان" ، خدع نفر منهم بتبويب المسودة ، ورقص البعض انتصارا للمادة 221 ، وفغر آخرين الفاه  اندهاشا لروعة الصياغة الدستورية .

وتابعت والجميع على مدى الأيام الماضية التعليقات والتفسيرات والملاحظات على مسودة العار.

والملاحظة الكبرى هنا أنه نظراً لعدم خبرة العديد من أعضاء التأسيسية (لتشكيلها الباذنجاني)، ورغبتهم عدم إجهاد أنفسهم فى صناعة دستور يليق بمصر ، والسباق المميت مع حكم القضاء بحلها ، فقد أتوا  بدستور 1971 وقاموا بالتعديل بالحذف أو الإضافة عليه  طبقا لتوجههم السياسى ، فولدت المسودة مبتسرة سرعان ما تحولت لمسخ مشوه ، لم ترقى لدستور 71 بتحفظاتنا عليه ، ولا جاءت معبرة عن أحلامنا وآمالنا بعد ثورة 25 يناير.

وأدليت بدلوي كاشفاً المؤامرة الخازوقية فى المادة 46 من المسودة سيئة الذكر الخاصة بتكوين الجمعيات الأهلية والأحزاب التى صاغها الإخوان خصيصا لدسترة وضع جماعتهم المحظورة دون النظر لما يمكن أن يهدد المجتمع من جرَّائها.

وأصبحت أمام خيارين لا ثالث لهما ، إما أن أواصل كشف وفضح عوار مواد المسودة واحدة تلو الأخرى  ، أو أنحيها جانبا لضيق الوقت ، وأكتب مقالا عن الطريقة المثلي لكتابة الدستور ، يمكن لقارئه أن يتبين من تلقاء نفسه دون الحاجة لاى جهد مدى السوء والفشل والركاكة والاستبداد الإقصائي المدفون فى سطور المسودة .

 ويبقى لدينا أمل فى أن تُحل التأسيسية بوضعها الحالى ويعاد تشكيلها لتأتى بأناس يفقهون ما يعملون.


أولاً  : ماذا تعنى كلمة دستور.

- لغة:

هى كلمة فارسية الأصل مركبة من كلمة " دست " بمعنى قاعدة ، وكلمة " ور" أي صاحب ، وانتقلت إلى العربية من التركية بمعنى (قانون ، إذن) ، ثم تطور استعمالها حتى أصبحت تطلق الآن على القانون الأساسي في الدولة .

- اصطلاحا :

هو مجموعة القواعد الأساسية التي تبين شكل الدولة ونظام الحكم فيها ، وسلطاتها ، وطريقة توزيع هذه السلطات ، وبيان حقوق المواطنين وواجباتهم .

 فهو القانون الأعلى  الذي تلتزم به كل القوانين الأدنى مرتبة في هرم تشريعي قمته الدستور ووسطه القوانين  وقاعدته اللوائح ، فالقانون يجب أن لا يخالف القواعد الدستورية ، كما يجب على  اللوائح الالتزام بالقانون الأعلى منها مرتبة .


وطبقا لما تقدم فإن القواعد الدستورية  لا تحتمل المط والتفصيل والإسهاب فى الصياغة ، ولا اللف والدوران والمناورات والتلاعب بالألفاظ بل تأتى موجزة واضحة فصيحة لا لبس فيها أو تأويل ، أما التفصيل والتوسع والرغى فيكون فى القوانين ثم اللوائح .

-  مثال على ذلك المادة ( 13 ) من المسودة والخاصة بالاقتصاد الوطني ( خمسة أسطر) - هى عنوان واضح للركاكة والمط والحشو، والجهل بالفرق بين الدخول والأجور - يمكن إعادة صياغتها فى سطرين فقط كالتالى :

"الاقتصاد المصرى يهدف لتحقيق التنمية المستديمة ، وحماية الإنتاج وأدواته ، وكفالة العدالة الاجتماعية ، والحفاظ على حقوق العاملين ، وتقريب الفوارق بين الأجور" .

-  المادة ( 47) الخاصة بإنشاء النقابات والاتحادات خمسة أسطر فى الإمكان أن تصبح  كالتالى :

" حرية إنشاء النقابات والاتحادات والتعاونيات مكفولة ، وينظم القانون قيامها ومشاركتها فى خدمة المجتمع ، وتلتزم بمسائلة أعضائها وفق ما تعده من مواثيق مهنية وأخلاقية ، ولا يجوز حلها أو حل مجلس إدارتها إلا بحكم قضائي.

-  المادة (153) الخاصة بإبرام المعاهدات الدولية ( خمسة أسطر ) تختزل فى سطرين فقط :

"يمثل رئيس الجمهورية الدولة فى إبرام المعاهدات ، وتعرض على الحكومة ولا تكون لها قوة القانون إلا بعد الموافقة عليها من البرلمان (بمجلسيه) بأغلبية ثلثى عدد أعضائه".


وغيرهم كثير جداً جداً جداً.


ثانياً  : أبواب الدستور

الأبواب المتعارف عليها عالميا فى كتابة الدساتير ( قد يختلف ترتيبها من دستور لآخر ) ولكن لابد من وجودها .

1-    الديباجة (مقدمة الدستور ) :

-         وهى مقدمة للتعريف بأهداف ومبادئ وغايات الدستور وهى جزء من الدستور ملزم واجب التطبيق إذا تضمن قواعد عامة.

2-    المبادئ الأساسية ( الأحكام العامة):

-         شكل الدولة وإدارتها ، نظامها السياسى ، مصدر التشريع فيها ، حقوق الاقليات ,القوات المسلحة، النظام الحزبى ،اللغة الرسمية، علم الدولة ونشيدها ومقر عاصمتها....إلخ ، وهى ثوابت يجب أن تصدر باقى المواد متوافقة معها.

3-    الأسس الاقتصادية والاجتماعية والفكرية و البيئية:

-         الأسس الاقتصادية وتعنى شكل النظام الاقتصادي السائد ، إدارة وتوزيع الثروات الطبيعية في الدولة وموقف الشعب منها ، موقف الدولة من الملكية الخاصة للأفراد وصونها من المصادرة والاستيلاء ، تشجيع الادخار وحمايته ...الخ.
-         الأسس الاجتماعية وتعنى المساواة الاجتماعية أي عدم التمييز لأي سبب يرتبط بالدين أو الجنس أو المذهب أو العرق ..الخ  ، حماية الأسرة ورعاية الأمومة والطفولة ، مراعاة قواعد الآداب العامة فيما تصدر من تصرفات حكومية أو تشريعية ، تأكيد العدالة الاجتماعية وجعلها هدفاً رئيسياً.
-          الأسس الفكرية ومنها حرية التعليم ، الثقافة ، الإبداع ، النشر والصحافة والإعلام , حقوق الاختراع والتأليف ، احترام ألآراء الفكرية المختلفة ، حماية الآثار التاريخية . ...الخ.
-         الأسس البيئية هى كل ما يخص البيئة وكيفية المحافظة عليها وحمايتها من الأخطار التى تهددها.

4-    الحقوق والحريات:

-         ضرورة أن تتضمن الدساتير مجموعة من الحقوق والحريات التي يتمتع بها أفراد المجتمع داخل الدولة ، و النص عليها في الدستور يحميها من تدخل المشرع العادي , و كل تشريع يتعارض مع ما نص عليه الدستور من حقوق وحريات يعد غير دستورياً واجب الإلغاء , ويجدر الإشارة فى هذا الباب لاحترام الدولة للحقوق والحريات الواردة في المواثيق والإعلانات الدولية العالمية.

5-    المؤسسات الدستورية:

-         المؤسسة تنظيم اجتماعي دائم  ذو سلطة معينة يتكون بفعل اتحاد إرادات فردية , يكتسب مشروعية استمراره وبقائه من الدستور الذى يحدد اختصاصاته، وعلى سبيل المثال :-

·         البرلمان ( السلطة التشريعية ) وكيفية تكوينه ومدة بقائه وصلاحياته .
·        رئيس الدولة وكيفية انتخابه ومدته وصلاحياته ونوابه وعلاقته بالمؤسسات الأخرى.
·        السلطة التنفيذية (الحكومة ) وكيفية اختيار رئيسها وطريقة تشكيلها وصلاحيتها ومحاسبة أعضائها وسحب الثقة منها ...الخ .
·        القضاء واستقلاليته وخضوع الكافة له وعدم جواز عزل رجاله وطريقة محاسبتهم.
·        الشرطة و القوات المسلحة والقضاء العسكري مع ضرورة النص على أن يحاكم به العسكريين على جرائمهم العسكرية ولا يحال إليه مدنيين إلا فى حال ارتكابهم لجرائم داخل الثكنات العسكرية.
·        أى مؤسسات أخرى يرى الشعب ضرورة وجودها كأجهزة الرقابة وخلافه.

6-    أحكام خاصة أو ( ختامية) :

-         تتناول موضوعات بعينها لم يسبق تناولها فى الأبواب الأولى مثل كيفية تعديل الدستور, كما تتضمن بدء سريان الدستور ومن سيذيله بالتوقيع عند إصداره.

7-    أحكام انتقالية :
-         ( قد تتطلبها ظروف استثنائية تمر بها الدولة حين يوضع دستورها).

مع مراعاة أنه عند إحالة أي مادة دستورية طريقة تنظيمها للقانون ، يجب ألا يقيد هذا القانون حريات أو ينتقص من حقوق أو يقهر أفرادا ،  فالناس ولدوا أحرارا ﻤﺘﺴﺎﻭﻴﻥ ﻓﻲﺍﻟﺤﻘﻭﻕ ، ﻭﻫﺫﻩ ﺍﻟﺤﺭﻴﺔ ﻭﺍﻟﻤﺴﺎﻭﺍﺓ ﺘﻘﺘﻀﻲ ﺒﺎﻥ ﻴﺴﻤﺢ ﻟﻬﻡ ﺒﺎﻥ ﻴﺄﺘﻭﺍ ما شاءوا ﻤﻥﺍﻟﺘﺼﺭﻓﺎﺕ ﺒﺸﺭﻁ ﻋﺩﻡ ﺍﻻﻀﺭﺍﺭ ﺒﺎﻟﻐﻴﺭ ، أما الضبط ﺍلاجتماعي ﺍﻟﺫﻱ ﻴﺘﻤﺜل ﻓﻲﺍﻟﻘﺎﻨﻭﻥﻓﻴﺠﺏ ﺍﻻ ﻴﻜﻭﻥ ﺍﻻ ﻓﻲ أضيق ﺍﻟﺤﺩﻭﺩ الممكنة ﺤﻤﺎﻴﺔ للآداب والنظام العام فقط.

هذه هي الطريقة الوحيدة المتفق عليها عالمياً لكتابة الدساتير ، إذا خلصت النوايا لوجه الله ثم الوطن يمكن أن نكتب دستورا يليق بمصر وتاريخها تتحاكى عنه الأمم.


أما إذا ظلت نظرتنا ضيقة لا تتعدى طمع وجشع ورغبة الأغلبية الحاكمة فى السيطرة - بغض النظر عن توجهها - فسنكتب كل خمس سنوات دستوراً جديدا ، ونشيع الاستقرار بعد غد لمثواه الأخير.

ألا هل بلغت اللهم فاشهد.

إرسال تعليق